تقرير إعلامي منتدى "مخالقة" الدولي الأول للسلام والعمل الإنساني

«المخالقة (coética): مدخلٌ للسلام والتعايش الأخلاقي في عالم متعدّد» برشلونة (أونلاين) • الجمعة 15 مايو 2026

ACTIVIDADESPROGRAMAS

5/16/20261 دقيقة قراءة

احتضن مركز COETICA ببرشلونة، يومَ الجمعة 15 مايو 2026، الدورةَ الأولى من منتدى COETICA الدولي للسلام والعمل الإنساني، التي انعقدت كاملةً عن بُعد عبر منصّة Zoom من السابعة مساءً إلى التاسعة والنصف بتوقيت مدريد. ولقي اللقاء إقبالاً لافتاً، إذ حضره أزيدُ من مئة مشارك ومشاركة من عشرين دولة، يُمثِّلون باحثين وناشطين ومنظَّماتٍ إنسانيةً من أوروبا وشمال إفريقيا ودول الخليج والمشرق العربي وغرب إفريقيا وآسيا وأمريكا الشمالية. وأدارت أشغالَ المنتدى مروة صباحي، طالبة القانون بإسبانيا وعضو فريق COETICA في كاتالونيا.

«المخالقة»: عهدٌ أخلاقيٌّ، لا مجرَّد تسامح

افتُتحت أعمالُ المنتدى بمداخلةِ الدكتور الخضر حمادي، رئيس مركز COETICA وصاحب المبادرة، الذي قدَّم المفهوم المركزي الذي يراهن عليه المركز، وهو مفهوم «المخالقة». ودعا فيه إلى تجاوز خطاب الأقلية والتسامح وحتى عقد المواطنة القانوني نحو ما سمّاه عهد المخالقة وهو«عهد أخلاقي بين كائناتٍ تَشترك في الوجود وتَتعاقد على بنائه». وقد تَلقَّى هذا الاقتراحُ تَبَنّياً واسعاً من باقي المتدخِّلين والمؤسَّسات المشاركة، بوصفه صياغةً جديدةً تَستجيب لتآكُل المفردات القديمة.

وقد بَنَى صاحبُ المبادرة هذا الطَّرح على قراءةٍ مزدوجةٍ في المفهوم. ففي صياغته اللاتينية، تَتركَّب كلمة «coética» من السابقة «co-» التي تَختزن في حروفها الثلاثة معاني المعيّة والتعاون والتفاعل، ومن «ética» المنحدرة من اليونانية القديمة (ἦθος / إيثوس)، التي تَعني الخُلُق والسجيّة ومنظومةَ القِيم التي تُميِّز جماعةً أو ثقافة. وفي صياغته العربية، جاء «المخالقة» على وزن «مُفاعَلة» ليَحمل ثلاثةَ معانٍ متشابكة: معنى الخَلْق الذي يُحيل إلى أصل الكرامة الإنسانية (في الإسلام: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾، ومفهوم Imago Dei في المسيحية، وفي عقلانيّةِ كانط مفهوم الواجب الإنساني)؛ ثم معنى الخُلُق المُشترَك مع «ética»؛ ثم معنى الفعل المتبادل المُفترَض بين شريكَيْن، المستفاد من بنية المفهوم الصرفية (خالق يخالق مخالقة).

هكذا تَلتقي «coética» اللاتينيّةُ و«مخالقة» العربية من ضفّتَيْن حضاريّتَيْن مختلفتَيْن لتَنطقا بالمعنى نفسه، وتَتقاسما الجوهرَ المشترك. ولأنّ اللغةَ ليست حاملةَ معانٍ فحسب، بل حاملةُ فلسفةِ حضارة، فإنّ توأمةَ الاسمَيْن من جذرَيْن متباعدَيْن دون أن يَنفي أحدُهما الآخر، هي في ذاتها أوّلُ ثمار «المشترك الإنساني» الذي يقترحه المركز؛ وتجسيدٌ مُبكِّرٌ للفكرة على مستوى المصطلح قبل النزول إلى الميدان.

وعلى امتداد خمسة قرون، اقتفى الدكتور حمادي أثرَ هذا العهد في خمسة شواهد نقلت الفكرةَ من ضفّةٍ إلى أخرى دون أن تَنقطع: من «حِلف الفضول» في مكّة سنة 580م، إلى «صحيفة المدينة» سنة 622م، فإلى «Pax Dei» و«Treuga Dei» في فرنسا القرون الوسطى، ثم مشروع الأبّ سان بيير للسلام الأوروبي الدائم سنة 1713م، وأخيراً مشروع كانط للسلام الدائم سنة 1795م، الذي تَفرَّعت عنه منظومةُ الأمم المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية. خمسةُ شواهدَ منتقاة، فكرةٌ واحدة هي «منطق المشترك الإنساني».

وفي المستوى التطبيقي، اختزل حمادي «نهج المخالقة (Metodología COETICA)» في مُسلَّمَتَيْن مركزيَّتَيْن: «الأقرب فالأقرب» (التفاعل الأخلاقي يَبدأ من المحيط المباشر قبل أن يتَّجه إلى الإنسانية البعيدة)، و«التصرّفُ لا التفرّج» (الانخراطُ شرطٌ، والمتفرِّج خارجٌ عن النهج). ومن هاتين المُسلَّمَتَيْن تَنبثق ثلاثةُ مسارات: إفشاء السلام، وإنقاذ الأرواح في بُعدَيْه المادّي والمعنوي، ثم التنمية المجتمعية من الداخل.

« المخالقة ليست إثارةً لملفّ مهاجرين، ولا لثنائيّة الإسلام والغرب، ولا قضيّةَ أقلّيّة. هي حاجةٌ أعمق وأشمل: الانتقالُ من العقد القانوني إلى العهد الأخلاقي، ومسارها الأقربُ فالأقرب، والتصرُّفُ لا التفرُّج. »

د. الخضر حمادي، رئيس مركز COETICA

مارتي أوليبيا: من نزع السلاح إلى الدفاع المدنيّ اللاعنفيّ

تحدَّث الباحث والناشط الكاتالاني مارتي أوليبيا عن الحاجة إلى تجاوُز عقيدة «الحرب العادلة» بعد ما يَزيد على 180 مليون قتيلٍ خَلَّفته حروبُ القرن العشرين، مُذكِّراً بـ«القاعدة الذهبية» المشتركة بين الأديان («لا تَفعل بغيرك ما لا تَرضاه لنفسك»)، وبوثيقة الأخوّة الإنسانية الموقَّعة بين البابا فرنسيس وشيخ الأزهر سنة 2019، وبدعوة البابا ليون الرابع عشر الأخيرة إلى «سلامٍ منزوع السلاح ومُجرِّدٍ له». ودعا أوليبيا إلى تأسيس شبكاتٍ مدنيّةٍ مُدرَّبةٍ على الدفاع اللاعنفيّ، تَجعل خيارَ الجيوش غيرَ ضروريّ بل غيرَ ممكن.

« اللاعنفُ ليس مثاليّة؛ بل هو الاتّساقُ مع الإجماع الأخلاقي الأقدم والأكثر كونيّةً في تاريخ البشر. لن نُلغيَ الحروب إلاّ إذا قَدَّمنا للجيوش بديلاً: شعباً منظَّماً يَجعل كلَّ عدوانٍ غيرَ قابلٍ للإدارة وغيرَ مُجدٍ. »

مارتي أوليبيا، باحث وناشط في السلام واللاعنف

كمال أصلان: حين تُصبح القيمُ بنيةً اجتماعية

من الدوحة، قدَّم الدكتور كمال أصلان، أستاذ فلسفة الأخلاق بكلية المجتمع في قطر، قراءةً في العلاقة بين القيم الأخلاقية والتعاضد المجتمعي في زمن الأزمات. اتَّخذَ من مبادرة «قطر منّا ونحن منها» نموذجاً تطبيقياً لِما سمَّاه «المواطنة الأخلاقية» التي تَجمع المواطنَ والمقيمَ في عَقدٍ من الاعتراف المتبادل والوفاء والتراحم. واستحضرَ الآية ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ ليُؤكِّد أن التنوع شرطُ تعارفٍ لا مادّةُ صراع.

« الأخلاقُ ليست ترفاً فكريّاً؛ بل أساسُ العُمران والاستقرار. والتنوُّع ليس سبباً للصراع، بل مجالٌ للتعارف والتكامل. ومبادرةُ «قطر منّا ونحن منها» تَختصر ذلك: المواطنُ والمقيمُ شريكان في بناء المجتمع وخدمة الوطن. »

د. كمال أصلان، أستاذ فلسفة الأخلاق — كلية المجتمع، قطر

إنما غارّو: الفصلُ الدراسيُّ كمختبرٍ للعيش المشترك

نقلَت الدكتورة إنما غارّو، أستاذةُ الدراسات العربية بجامعة أليكانتي، النقاشَ إلى عمق المدرسة الإسبانية. واستعرضت أرقاماً مُقلقة: لا يَصل سوى 37٪ من أبناء الأسر المهاجرة إلى التعليم العالي، مقابل 61٪ من السكان الأصليين. ودَعت إلى تثبيتِ الوسطاء الثقافيّين بِنيوياً في المنظومة التعليمية، وإلى مَنهجٍ يُدمج تنوّعَ اللغات والثقافات (بما فيها الهويّة الأمازيغية) في خِطاب المدرسة، حتى يَستعيد كلُّ تلميذ اسمَه ولغتَه واعترافَه بنفسه.

« التنوُّع لا يَبدأ ولا يَنتهي حين يَعبر أحدُهم الحدود؛ هو في الأسماء، وفي مذاقات البيوت، وفي الذاكرة الثقافية التي تَرافق كلَّ شخص. نُطقُ الاسم نُطقاً صحيحاً ليس مجاملةً: إنّه اعتراف. والاندماج يَبدأ من حيث نُسمِّي الناس. »

د. إنما غارّو، أستاذة الدراسات العربية — جامعة أليكانتي

فيصل الفهيدة: من القِيم إلى البرامج

نقلَ الأستاذ فيصل راشد الفهيدة، رئيسُ مركز الأقربون (قطر الخيرية)، النقاشَ من فضاء التنظير إلى أرض التنزيل. قدَّم تعريفاً إجرائياً للقِيم باعتبارها «مبادئَ واضحة، فسلوكياتٍ مُتكرّرة، فآلياتٍ داعمة، فمؤشِّراتِ أثر»، مُستعرِضاً تجربة مركز الأقربون في تحويل قِيمٍ كالكرامة والإحسان والمسؤولية المشتركة إلى برامجَ تطوُّعيّة وتربويّة قابلة للقياس. وأعاد للتطوّع وظيفتَه الأصلية بوصفه «منصّةَ ثقة عمليّة» تُلامس الواقعَ المحلِّيَّ قبل أن تَتطلَّع إلى الأبعد منه.

« القيمُ لا تَبقى حيّةً بمجرَّد الاحتفاء بها؛ تَحيا حين تُترجَم إلى برامج، وتَترسَّخ حين تُبنى على الكرامة الإنسانية، وتُثمر حين تَقوم على الشراكة والثقة. فما القيمةُ الواحدةُ التي يمكن أن نَبدأ من الغد بتحويلها من معنىً نُؤمن به إلى أثرٍ ملموسٍ في حياة الناس؟ »

فيصل الفهيدة، رئيس مركز الأقربون — قطر الخيرية

ثلاثةُ برامج، ميدانٌ واحد

خُصِّص النصفُ الثاني من المنتدى لاستعراض ثلاثة برامج عمليّة. قدَّم منعم دايمي وكارولينا ليغيزامون من الإغاثة الإسلامية بكندا برنامجَ INSPIRE الذي أَرسلَ منذ انطلاقه 1218 متطوّعاً كنديّاً إلى أربعَ عشرةَ دولةً، وجمَع أزيد من ستة ملايين دولار كنديّ. وعبَّر مُقدِّماه عن فلسفة البرنامج في كلمةٍ مكثَّفة:

« متطوّعونا لا يَذهبون كمُنقِذين، بل كمتعلِّمين. ولا يَحملون السلامَ إلى العالم فحسب؛ بل يُعيدونه معهم إلى الوطن. »

منعم دايمي وكارولينا ليغيزامون — برنامج INSPIRE / Islamic Relief Canada

ومن مدريد، استعرضت السيدة هناء عبدلاوي، مديرة الإغاثة الإسلامية بإسبانيا، خبرةَ المنظمة في الجمع بين العمل الإنساني الخارجيّ والعمل المحلِّي، مَستحضِرةً تَدخُّلَها بعد كارثة DANA في فالنسيا.

« إسبانيا بلدُ الثقافات الثلاث و العيش المشترك. السلام لا يُبنى في الخارج فقط؛ بل يُبنى في الحيّ، وفي الكنيسة، وفي الشارع. »

هناء عبدلاوي، مديرة الإغاثة الإسلامية — إسبانيا

وفي ختام مَحور البرامج، قدَّمت يسرى النعماني، عضوُ فريق COETICA في إسبانيا، برنامجَ «فَعَلة (HACEDORES)» الذي يقترح على الشباب «الذي لا تَنقصهم القيمُ ولا الطاقةُ، وإنّما تَنقصهم الأداة» مساراً من ثلاث مراحل: مِنبرٌ خِطابيّ على نسق TED، ثم خمسون ساعةً من التطوُّع المُعتَمَد، ثم شبكةٌ دائمةٌ تَجمع المنتسبين تحت اسم «COETICA إسبانيا — أوروبا».

« القيمُ وحدَها لا تَكفي إن لم تَتحوَّل إلى مهارات؛ والمهاراتُ لا تُثمر إن لم تَتجسَّد في مشاريع؛ والمشاريعُ لا تَصنع تغييراً إن لم تُقَس بأثرها. هذا هو «فَعَلة»: نُكوِّن، نَخدم، نَلتقي. »

يسرى النعماني، الناطقة باسم برنامج «فَعَلة» (HACEDORES)

صدى المنتدى لدى الجمهور

أبدى المشاركون رضاً لافتاً على المنتدى: بمعدّلٍ عامّ بَلَغ 4,63 من 5، ومنح أكثرَ من 94٪ من المُجيبين تقديراً «جيّداً» أو «ممتازاً». وتركَّزت ملاحظاتُهم على «حُسن التنظيم» و«المحتوى الهادف»، مع إلحاحٍ متكرِّر على ضرورة تَكرار هذه اللقاءات وتوسيع وقت النقاش والأسئلة في الدورات المقبلة.

آفاق

أَعلنت لجنةُ التنظيم في ختام الجلسة عن إطلاق <مجلة Coética> فضاءً للنشر ومتابعةً نظريّةً للنقاشات، فيما يُنتظر أن تَحملَ الطبعةُ الثانية من المنتدى تَعميقاً للتطبيقات الميدانية لـ«نهج المخالقة (Metodología COETICA)»، وتوسيعَ التشبيك مع المراكز والمنظَّمات المحليّة والدولية. ويختصر ما قاله الدكتور حمادي في خاتمة مداخلته رهانَ هذا المسار:

« نحن بحاجةٍ إلى قَدرٍ كبيرٍ من نعمة الخيال، ونعمة الأمل، ونعمة اليقين. والمستقبلُ يَصنعه الحالمون بالمعنى الإيجابي للحلم. »